عطر عذري
لم أستيقظ هذا اليوم مبكراً كعادتي، فمن طبيعتي كل يوم ثلاثاء أن استغل النوم حتى منتصف النهار، أغطّ في نوم صباحي مّصل حتى الزوال، حالمة برؤى تبشر بالخير والسعادة وما هي إلا لحظات إلا زمن في نطاق النوم السابع حتى تهجم الكوابيس على الأحلام السعيدة لترغمها على الرحيل بعيداً متولّية تعذيبي وحرق أنفاسي المتصاعدة من صدري بإعياء، في إثرها أفتح عينيّ وأتثاءب عن عمر وتكلّف بالِغَيْن، كنت دوماً أرى أنني أعيش كالملكة المدلّلة، فلقد عانيت ما فيه الكفاية في طفولتي ومراهقتي، وها أنا أخطو الخطى نحو السادسة والثلاثين من العمر، ناجحة في حياتي، متألقة، طموحة وحالمة، لا بدّ وأن هذا شيء رائع!! بوثبات منسحبة مني بغنج قصدت المطبخ بعدما غسلت وجهي لأرى ما يمكنني فعله لتناول الغداء؛ ففطور الصباح ولّى منذ ساعات، ولكنني بدلاً من ذلك فضّلت أن أتناول القهوة ممزوجة بالحليب مع خبز "المطلوع"، الذي اشتريته يوم أمس وأنا عائدة من العمل... حملت صينية القهوة وقصدت الصالون، أشعلت التلفاز، بدأت أقلب القنوات الفضائية نزولاً وصعوداً، حتى قررت أن أستمع إلى الأخبار على قناة "فرونس 24" بالعربية... فلسطين تكتسب صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، قتلى وجرحى في إنفجار عبوة في بيروت... تواصل أزمة الحصار والمعاناة في قطاع غزة... دخول المساعدات الدولية إلى حمص في سوريا وخرق الهدنة... عدم توافق الأطراف على تشكيل الحكومة في تونس. هززت رأسي بإمتعاض ووجع باردين، لم نعد نحسّ بالآلام مع أنها آلام، ولكن حرارة وقعها ومرارة تجرّعها خفتنا وجمدتا، واستحالتا في قلوبنا حسرة ويأساً لا طعم لها ولا لون، غيّرت القناة مرة أخرى وشدّتني الرسوم الكرتونية "السنافر"، فابتسمت ورحت أتابع بكلّ لهفة طفولة قابعة في داخلي - أنا التي لم أمارسها بشكل طبيعي تحت سطوه وجبروت والد مجنون. دقت الساعة الواحدة والنصف زوالاً، فاستفقت من غيبوبة الاطفال تلك وقمت أجرّ رجلي وأوطط ذراعيّ، ووضعت صينية القهوة على طاولة المطبخ، توضأت وصليت صلاة الظهر وتلوت وردي من القرآن الكريم المخصص لبعد صلاة الظهر؛ كانت هذه عادتي التي عاهدت نفسي على عدم تركها، فبعد كل صلاة أقرأ آيات من القرآن الكريم، أحاول قدر المستطاع أن أكون مستقيمة وملتزمة بأحكام هذا الكتاب المبين، برفقته أحس بالراحة والطمأنينة، وبأن الله تعالى رحيم بعباده يرحّب بإقبالهم عليه. كان القرآن الكريم يسلم قلبي وحافظاً لي من كل المساوئ ومانعي في الإنجراف، كانت الساعة تشير إلى الثالثة وعشر دقائق بعد الظهر، كان يوم الثلاثاء يوماً للراحة من ثقل العمل اليومي، استلقيت على سريري وفتحت حاسوبي ورحت أفتح المواقع التي أنتمي إليها، وأولها قناة عروس القرب الي أعمل فيها، لا جديد يذكر... وأنا أنزل لأرى جديد الصفحات وما نشرته على هذا العالم الأزرق غارقة في حالتي الهادئة، وإذ برسالة من المدعو "عطر القلم" الذي كنت قد أضفته توّاً يقول فيها: مساء الخير أستاذة نوال يونس... علمت عن فكرة برنامجك الموقر وفكرته الجميلة في إستضافة المفكرين والكتّاب وأتمنى أن أحظى بشرف حضور حلقة في هذا البرنامج معك، ولا عليك سيدتي، فطبيعة عملي كرجل أعمال تفرض عليّ التنقل من بلد إلى آخر، فإذا تم قبولي أخبريني بالموعد وسأحضر إلى الجزائر على الفور. في إنتظار ردكم... دكتور كارم سعيد، منذ بدأت عملي في هذا البرنامج وأنا أتلقى مبدعين ومفكرين... وكم كنت سعيدة بهذا العمل الذي كافحت من أجل الوصول إليه، والذي واجهت من أجله غضب والدي وحنقه، لطالما حلمت أنني سأصبح صحفية ذات شأن، ولكنّ واقعي أقل مما كنت أحلم به، غير أنني لم أنقم... فمقارنة بما عانيته من والدي الجشع الدكتاتور، فإنني أحمد الله على أن وفقني لأصل إلى هذا الوضع حيث أعيش بسلام... لكن مهلاً!!!... أليس من الغريب أن يسمي المرسل نفسه في الفايسبوك بــ"عطر القلم" في حين أن اسمه كارم سعيد وهو دكتور... لم يكن الدكتور كارم سعيد بأحسن حال من الصحفية الناجحة نوال يونس والتي نشأت هي وأخواتها في كنف والد ظالم ودكتاتور... وهي وإلى حدّ ما أسعد حظاً مما لاقاه الدكتور كارم سعيد، أو عطر الليل، الإسم المستعار الذي أطلقه على نفسه، وهو أن دلّ على شيء فإنما يدل على شخصية ضبابية، عانى منها هذا الدكتور النفسي على مدى حياته، فوالده المستبد سلخه عن أمه ليصنع منه رجل أعمال، كما يريد. تحت وقع ظروف قاسية محزنة أدخلته في مرض نفسي، في شبابه، امتدت آثاره والمعاناة منه إلى وقت طويل؛ قصة عاطفية يمر بها عطر القلم ونوال يونس تكشف الكاتبتان من خلالها عن أمراض إجتماعية فتاكة تعبث بالأرواح قبل الأجساد.
المؤلف
رويدا عيسي / سهيلة سعدونيالناشر
دار الفارابي للنشر والتوزيعالرمز الدولي
9786144322154رقم الطبعة
1سنة النشر
2014نوع الغلاف
غلاف





